السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
116
مفاتيح الأصول
النهي الوارد بعد الوجوب يفيد الإباحة أو لا حكي في نهاية السئول عن بعض الأول معللا بأن تقدم الوجوب قرينة على الإباحة وعن آخر أنّه يفيد التحريم بخلاف الأمر الوارد عقيب التحريم مفرقا بينهما بوجهين أحدهما أن حمل النّهي على التحريم يقتضي الترك وهو موافق للأصل لأن الأصل عدم الفعل وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل وهو خلاف الأصل وثانيهما أن النهي لدفع المفسدة المتعلقة بالمنهي عنه والأمر لتحصيل المصلحة المتعلَّقة بالمأمور به واعتناء الشرع بدفع المفاسد أكثر من جلب المنافع ولا يخفى ضعف الوجهين وصرّح في نهاية السئول بأن القائلين بأن الأمر بعد التحريم للوجوب لا خلاف عندهم في أن النهي بعد الوجوب للتحريم الرّابع منع جماعة من المحققين من دلالة الجملة الخبرية المستعملة في الإنشاء نحو يتوضّأ ويصلَّي ولا ينكح المرأة على عمتها على الوجوب والحرمة لأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة فاللازم الحمل على المجاز وهو كما يكون بالحمل عليهما كذا يكون بالحمل على الطلب المطلق ولا مرجح والحق أن الظاهر منها في المقامات الطلبية الوجوب والحرمة لأنه أقرب المجازات كما لا يخفى بل صرّح محققو أهل البيان فيما حكي عنهم بأن دلالتها في تلك المقامات على الاهتمام بالطلب أشد وآكد من دلالة الأمر والنهي الصريحين عليه ألا ترى إلى قولهم إن البلغاء يقيمونها مقام الإنشاء ليحملوا المخاطب بوجه آكد على الإتيان بما طلب منه كقولك لصاحبك الذي لا تحب تكذيبك تأتيني بلفظ الخبر آتني بلفظ الأمر فتحمله بألطف وجه على لزوم الإتيان لأنه لو لم يأتك غدا صرت كاذبا بحسب الظاهر لأن كلامك في صورة الخبر وهذه النكتة هي الظاهرة من الاستعمال في تلك المقامات وإن ذكروا نكتا أخر له ولذا أن معظم الأصحاب تمسّكوا في مقامات كثيرة لا تكاد تحصى بالمفروض على الوجوب والحرمة وبالجملة التأمل في دلالتها على الأمرين مما لا ينبغي كيف وأكثر الواجبات والمحرمات الشّرعية مستفادة من هذا ولذا اعترف المحقق البهائي بذلك مع تأمّله فيه في موضع من الحبل المتين مفتاح اختلف الأصوليّون في أن الأمر المطلق المجرّد عن القرائن هل يدل على الماهيّة من غير شعور بوحدة ولا تكرار أو يدلّ على أحدهما على أقوال الأول أنّه يدلّ على الماهيّة لا غيرها وهو العلَّامة والشّهيد الثّاني وولده والمحقق البهائي والحاجبي والبيضاوي وجماعة والمحكي عن إمام الحرمين وصاحب جمع الجوامع وأبي الحسين البصري بل نسبه السّيد عميد الدّين وغيره إلى المحققين وحكاه جماعة عن السيّد الثاني أنّه يدلّ على التكرار مدّة العمر بشرط الإمكان وأنّه منزل منزلة أن يقال افعل أبدا بشرط الإمكان وهو المحكي عن أبي إسحاق الأسفرايني وأبي حاتم القزويني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين الثالث أنّه يدل على المرة ولا يحتمل التكرار وهو المحكي عن جمع كثير وحكي عن أبي الحسين أيضا وكذا عن ظاهر الشافعي الرابع أنّه مشترك بين الواحدة والتّكرار وهو للسيد ابن زهرة في الغنية وتوقف قوم على ما حكي للقول الأول وجوه منها بأنه قد استعمل شرعا وعرفا تارة في المرّة وأخرى في التكرار فالأصل أن يكون موضوعا للقدر المشترك بينهما وهو الطلب بعنوان اللزوم مطلقا دفعا للاشتراك والمجاز ومنها قبوله قيدي المرة والتكرار فيقال افعل مرّة وافعل دائما والأصل أن يكون حقيقة للقدر المشترك بينهما دفعا للتكرار والتناقض ومنها أنّه لو كان موضوعا للتكرار لكان استعماله في المرّة استعمالا للفظ في غير ما وضع له من غير علاقة وكذلك لو كان موضوعا للمرة واستعمل في التكرار وذلك غير جائز فلا يمكن أن يكون لكل منهما بالخصوص والعلاقة الضّدّية هنا يفيده فتأمل ومنها أن المتبادر منه طلب إيجاد حقيقة الفعل أعني المصدر الَّذي هو جزء مادي لهذه الصّيغة والمرة والتكرار خارجان عن حقيقته كالزّمان والمكان ونحوهما ضرورة أن الجزئيات خارجة عن الماهيّات المشتركة فكما أن قول القائل اضرب غير متناول لمكان ولا زمان ولا آلة يقع بها الضرب كذلك غير متناول للعدد في قلَّة ولا كثرة نعم لما كان أقل ما يحصل به الامتثال هو المرة لم يكن بد من كونها مرادة ويحصل بها الامتثال لصدق الحقيقة الَّتي هي المطلوبة بالأمر بها معها ولو كان الأمر موضوعا للتكرار لكان متبادرا وللزم عدم امتثال العبد بالسقي مرّة واحدة إذا قال سيّده له اسقني ماء والتالي باطل للقطع بحصول الامتثال مرّة واحدة كما صرّح به الشيخ في العدة قائلا بأنه لو كرر دفعة ثانية لعده العقلاء سفيها لا يقال ذلك مستندا إلى القرائن وشهادة الحال بأن المقصود الشرب بمقدار الحاجة وهو يحصل بالمرّة الواحدة لأنا نقول ذلك ممنوع بل لا يتبادر التكرار ولو فرض انتفاء القرائن على أنا نمنع من وجود القرينة هنا ودعوى أن القرينة علم العبد باكتفاء السّيد بشربة واحدة باطلة إذ قد لا يكتفي بشربة ويعلم حينئذ إن السّيّد ينصب قرينة على إرادة التكرار ولو كان الأمر مفيدا للتكرار وضعا لما احتاج إلى ذلك وقد صرّح بما ذكرنا الشيخ في العدّة فتأمل وإذا ثبت أن الأمر في عرفنا للماهية لزم الحكم بأنه لها مطلقا ولو لغة لأصالة عدم النقل ومنها أنّه لو كان موضوعا للتكرار لصحّ حقيقة سلب اسم الأمر وما يشتق منه لو أريد منه غير التكرار كما هو الغالب والتالي باطل قطعا فالمقدم مثله أمّا الملازمة فظاهرة ولو كان موضوعا للمرّة بخصوصها واستعمل في غيرها لصحّ ذلك حينئذ والتالي باطل قطعا